عواقب الإطاحة بالأنظمة في الشرق الأوسط… هل تبالغ أميريكا في التقليل من هذا الشأن؟

قال دبلوماسي وخبير في السياسة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة لطالما سعت منذ خمسينيات القرن الماضي إلى تغيير الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط مرة كل 10 سنوات في المتوسط.

وأضاف أن واشنطن فعلت ذلك في إيران وأفغانستان (مرتين) والعراق ومصر وليبيا وسوريا، مشيرا إلى أن تلك الجهود الدؤوبة باءت كلها بالفشل.

ففي مقال بمجلة “فورين أفيرز” (Foreign Affairs)، أوضح الدبلوماسي الأميركي فيليب إتش غوردون أن قائمة الدول التي أوردها اقتصرت على محاولات الإطاحة بقادة دولة ما في المنطقة، وتغيير نظامها السياسي، كجزء من أهداف السياسة الأميركية وجهود واشنطن المتواصلة لتحقيقها.

الانقلاب والغزو والدبلوماسية والعقوبات

على أن الدوافع وراء تلك التدخلات تباينت كثيرا مثلما تنوعت الطرق التي اتبعتها واشنطن للوصول لغاياتها.

ففي بعض الحالات رعت الولايات المتحدة انقلابا، وفي أخرى عمدت إلى غزو دولة من الدول واحتلالها، وفي ثالثة اعتمدت على الدبلوماسية وفن الخطاب والعقوبات سبيلا لبلوغ مراميها.

ويرى غوردون -الذي عمل مساعدا خاصا للرئيس الأميركي ومنسقا في البيت الأبيض لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في الفترة من 2013 إلى 2015- أن القاسم المشترك في جميع تلك المحاولات كان هو الإخفاق.

فقد بالغ صناع السياسة الأميركية في تضخيم حجم التهديد الذي يواجه بلادهم، والتقليل من شأن التحديات التي تكتنف محاولة الإطاحة بنظام الحكم في دولة من الدول، وتبنيهم نبرة التطمين المتفائلة التي لطالما صدرت من المقيمين في المنافي أو أطراف محلية لا حول لها ولا قوة.

فشل التوقعات

وفي كل مرة -ما عدا في حالة سوريا التي تشبث فيها النظام بالسلطة- كانت الولايات المتحدة تعلن إحرازها النصر قبل الأوان، وتفشل في توقع الفوضى التي ستحدث لا محالة بعد انهيار النظام، لتجد نفسها في خاتمة المطاف تتحمل وزر الخسائر البشرية الهائلة والتكاليف المالية الباهظة لعقود تالية من الزمان.

ويتساءل غوردون قائلا: لماذا يبدو تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط صعبا بتلك الدرجة؟ ولماذا يظنّ القادة والمثقفون الأميركيون أنهم قادرون على القيام بذلك بشكل صحيح؟اعلان

ويعلِّق الكاتب بالقول إنه لا توجد أجوبة سهلة عن السؤالين، لكنه يرى أن من الأهمية الإقرار بأن البدائل عن تغيير الأنظمة ليست بتلك الجاذبية.

ويسوق الدبلوماسي الأميركي أمثلة على تلك الإخفاقات بالنقاشات التي دارت بين كبار المسؤولين في عام 2011، بشأن ما إذا كان لزاما على الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية ضد الزعيم الليبي آنذاك معمر القذافي، حيث نبّه وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت غيتس، زملاءه في مجلس الأمن القومي قائلا لهم “عندما تشعل حربا فإنك لن تدري كيف ستكون مآلاتها”.

وبرأي فيليب غوردون، فإن تحذير غيتس انطوى على تهوين للأمور، ذلك لأنه في كل مرة حدث فيها تغيير لنظام ما في الشرق الأوسط -رغم الإعداد الجيد له- كانت العواقب غير متوقعة ومخيبة للآمال.

العراق وإيران

ولعل أبرز مثال على ذلك الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث تمكنت واشنطن من القضاء على حكم الرئيس صدام حسين، لكنها ساهمت أيضا “دون قصد منها” في تمكين إيران، وتأجيج الروح الجهادية. كما أثبتت للطغاة في العالم القيمة الكامنة في امتلاك أسلحة نووية لدرء أي غزو من ذلك القبيل، وعززت الشكوك حول نزعة الولايات المتحدة إلى الخير، وأثارت غضب الرأي العام الأميركي تجاه أي تدخل عسكري لعقود قادمة.

ثمة مثال آخر يتعلق بمساهمة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” (CIA) في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953، حيث كانت واشنطن تأمل من إخراج مصدق من المشهد أن يكون الشاه محمد رضا بهلوي حليفا موثوقا به في المنطقة، وإبعاد إيران من المعسكر السوفياتي.

غير أن فساد الشاه وقمعه العنيف للمعارضة -بإغراء وتحريض من ولاة نعمته الأميركيين- ساهما في نهاية الأمر في ثورة 1979 التي أوصلت نظاما إسلاميا شديد العداء لأميركا إلى سدة الحكم، على حد تعبير فيليب غوردون في مقاله.

أفغانستان ومصر

وفي أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، كان للدعم الأميركي للمجاهدين الإسلاميين دور في تقويض الاتحاد السوفياتي، لكنه ساهم أيضا في سقوط البلاد في أتون الفوضى طوال عقد من الزمان، وفي إشعال حرب أهلية، وبروز حكم طالبان “الوحشي” -بحسب تعبير الكاتب- وتمكين “حركة جهادية عالمية”، والتسبب في تدخل أميركي جديد بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي شنها “إرهابيون” من تنظيم القاعدة الذي كان يتخذ من أفغانستان قاعدة له آنذاك.

ويواصل كاتب المقال سوق الأمثلة، فيقول إن الولايات المتحدة استخدمت نفوذها الدبلوماسي للمساعدة في وضع حد لنظام حكم الرئيس حسني مبارك “القمعي” في مصر، عقب الانتفاضة الشعبية عام 2011.

ويتابع قائلا إن الوضع في مصر تدهور في السنوات التي تلت ذلك إلى أن انتهت إلى وصول نظام عسكري جديد بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، أثبت أنه “أشد قمعا” من نظام مبارك.

الفراغ السياسي والأمني

ويخلص غوردون إلى القول إن جوهر المشكلة في الشرق الأوسط يكمن في أنه كلما تمّ القضاء على نظام قائم، يبرز فراغ سياسي وأمني ويبدأ صراع آخر على السلطة.

وفي غياب الأمن -يضيف الكاتب- يشعر الناس بأنه لا مناص أمامهم سوى تنظيم وتسليح أنفسهم، والاعتصام بشبكات القرابة والقبيلة والطائفة التماسا للأمان، مما يفاقم النزعة الطائفية ويشعل جذوة الانقسامات الداخلية التي تقود أحيانا إلى المطالبة بالانفصال.

لكن ما إن يسقط النظام الحاكم حتى ينقلبوا على بعضهم بعضا. وفي كثير من الأحيان، سرعان ما تتسيد الجماعات الأكثر تطرفا أو عنفا الساحة وتنزوي القوى الأكثر اعتدالا أو واقعية، وما يلبث الذين تم إقصاؤهم من السلطة أن يسعوا للقضاء على من تولوا زمام الأمور.

ولما حاولت الولايات المتحدة ملء الفراغ بنفسها، مثلما فعلت في العراق وأحيانا في أفغانستان، أضحت هي ذاتها هدفا للسكان المحليين والدول المجاورة التي تقاوم التدخل الأجنبي، فانتهى بها المطاف إلى التضحية بآلاف الأرواح وإنفاق تريليونات الدولارات دون أن تفلح في إرساء الاستقرار.

عدم رعاية الديمقراطيات الجديدة

ويمضي كاتب المقال إلى الزعم أن أميركا سعت من خلال تدخلاتها الأخيرة في الشرق الأوسط إلى استبدال الأنظمة الاستبدادية بحكومات ديمقراطية، بيد أنه رغم جهودها تلك التي تجنبت بطريقة أو بأخرى المزالق الناجمة عن الفراغات الأمنية والمقاومة الشعبية، والعملاء غير الموثوق بهم، فإنه لم يكن ليتأتى لها في الغالب إيلاء الديمقراطيات الجديدة بالرعاية.

وعلى الرغم من أنه لا توجد وصفات واضحة للتطور الديمقراطي، فإن البحوث العلمية توحي بأن المكونات الرئيسة لذلك تكمن في وجود تنمية اقتصادية بدرجة عالية، وتجانس عرقي وسياسي وثقافي، وموروثات وممارسات ومؤسسات ديمقراطية.

على أن من سوء الطالع أن دول الشرق الأوسط المعاصرة تفتقر إلى كل تلك السمات والخصائص، مما يعني أن عدم وجود أيّ منها يجعل إرساء الديمقراطية فيها أمرا مستحيلا، أو أنه لا ينبغي أن يكون الترويج للديمقراطية في تلك المنطقة مطمحا أميركيا، برأي فيليب غوردون.

By

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

No widgets found. Go to Widget page and add the widget in Offcanvas Sidebar Widget Area.