صحيفة النهار 12 آب 2020

النهار : تعبئة الفراغ بتعزيز المواقع في انتظار هيل

” النهار ” تقول : ‎الساعة السادسة وست دقائق من مساء امس توقف لبنان كله بوجوم ورهبة وحزن عارم امام ذكرى نحو 171 ‏شهيدا واكثر من ستة الاف جريح شكلوا قبل أسبوع تماما في 4 آب الحصيلة الصادمة لاحد اكبر الانفجارات ‏المزلزلة التي عرفها العالم والذي ضرب مرفأ بيروت وتشظى مدمرا عشرات الاف المباني في العاصمة ‏وضواحيها. على وقع أجراس الكنائس وآذان المساجد التي ارتفعت متزامنة في بيروت، احيا ألوف اللبنانيين ‏الذكرى من ساحات بيروت الى المرفأ وساحة تمثال المغتربين وسط أجواء الحزن والأسى والذهول الذي لا يزال ‏يطبق على البلاد ويرخي بثقله حتى على مجمل المشهد السياسي الذي عاد يتحرك بسرعة قبل يومين مع انهيار ‏حكومة حسان دياب واستقالتها ودخول البلاد مناخ الاستحقاق الحكومي الجديد وما يثيره من احتمالات واتجاهات ‏لا تزال تتسم بكثير من الغموض. ولعل المفارقة اللافتة التي يتعين التوقف عندها في هذا السياق هي ان الحركة ‏الاحتجاجية والانتفاضة الشعبية تجاوزت كل ما جرى على صعيد استقالة الحكومة وأبدت عدم تأثرها اطلاقا ‏بالاستقالة، بل مضت في تصعيد احتجاجاتها منادية باسقاط رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب. وهو امر لم ‏يكن مفاجئا او مستغربا خصوصا مع التمادي المكتشف في جريمة اهمال المكامن المتفجرة سواء في معمل الذوق ‏الكهربائي قبل أيام او حتى في المرفأ نفسه بعد الكارثة التي ضربته. اذ ان معلومات أفادت أمس ان خبراء ‏كيماويات ورجال إطفاء عملوا على تأمين ما لا يقل عن 20 حاوية كيميائية محتملة الخطورة في مرفأ بيروت بعد ‏العثور على حاوية كانت تسرب بعض المواد وفقا لاحد أعضاء فريق التنظيف الفرنسي‎ .‎
‎ ‎
استحقاق التكليف
‎ ‎
وسط هذه الأجواء المشدودة بدا الاستحقاق الحكومي في يومه الأول غداة استقالة حكومة حسان دياب وبدء مرحلة ‏تصريف الاعمال كأنه لا يزال يتلمس خريطة طريق سياسية مفقودة نظرا الى التصدع الهائل الذي اصاب ‏العلاقات السياسية بين العهد والكثير من الكتل النيابية والقوى السياسية التي لن يكون التشاور معها حول اسم ‏الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة سهلا ومرنا هذه المرة . واذا كانت المشاورات انطلقت واقعيا بين ‏الكواليس السياسية في سبيل بلورة الاتجاهات الجدية نحو اختيار الرئيس المكلف، فان المعطيات المتوافرة في هذا ‏السياق تشير الى أجواء ضاغطة للغاية داخليا وخارجيا هذه المرة لن تسمح لرئيس الجمهورية ميشال عون ‏وفريقه باستسهال ترف التلاعب بعامل الوقت وتوظيفه واستغلاله من خلال تأخير مواعيد الاستشارات النيابية ‏الملزمة لتسمية الرئيس المكلف تأليف الحكومة الجديدة على غرار ما حصل في المرة السابقة عندما أخذ عون مدة ‏طويلة نسبيا تجاوزت المفهوم المنطقي لإمساكه دستوريا بورقة تحديد المواعيد بحيث سبق التكليف الواقعي ‏التكليف الدستوري وافرغ الاستشارات من مضمونها. وتشير المعطيات في هذا السياق الى ان هامش المناورات ‏امام الحكم وحلفائه في محاولات فرض امر واقع في التكليف ولاحقا في التأليف ضاق جدا بين تجربة تأليف ‏حكومة دياب والاستحقاق الحكومي الحالي اذ انه امام واقع انهياري بهذه الضخامة والخطورة الخيالية لن يكون ‏متاحا او ممكنا تمرير إطالة تحديد مواعيد الاستشارات النيابية ابعد من مطلع الأسبوع المقبل مهما كانت الحجج ‏والذرائع‎ .‎
‎ ‎
الحريري ونواف سلام

‎ ‎
ولكن المعطيات الأكثر اثارة للاهتمام في ملف الاستحقاق الحكومي بدأت تبرز امس تباعا من خلال معادلة مختلفة ‏تماما عن الاستحقاقات الحكومية السابقة بحيث يمكن القول ان التكليف لن يكون نزهة سهلة وسريعة لمجرد تداول ‏اسمين لمرشحين أساسيين مطروحين للتكليف هما الرئيس سعد الحريري والقاضي في محكمة العدل الدولية في ‏لاهاي السفير السابق نواف سلام علما ان طرح اسميهما جاء عبر الموجة الأولى من قوى سياسية داخلية ‏استعجلت لعبة المناورات سواء لتزكية اسم او استبعاد آخر والعكس بالعكس . ففي حين ترشح معالم تأييد الثنائي ‏الشيعي لعودة الرئيس سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، يبرز تاييد الوزير السابق جبران باسيل وأطراف من ‏خصومه للسفير السابق نواف سلام كما ان باسيل يسعى الى احداث شرخ بين رؤساء الحكومات السابقين‎.‎
‎ ‎
ولكن المفارقة البارزة في هذا السياق ووفق المعطيات الجدية والموثوقة المتوافرة لـ”النهار” تؤكد ان لا الرئيس ‏الحريري يهرول نحو العودة الى رئاسة الحكومة من دون توافر الشروط الصارمة التي تتيح إنجاح حكومة نوعية ‏بمواصفات قادرة على اجتراح استراتيجية انقاذية حقيقية والتي منع من الحصول عليها في المرة السابقة ‏خصوصا انه يحاذر تماما الا يكون في يده الأوراق المقنعة للشارع . كما يبدو السفير السابق نواف سلام بدوره ‏حذرا جدا حيال الشروط والضمانات الحاسمة التي تكفل له تشكيل حكومة قادرة فعلا على ان تواكب خطورة ‏الازمات التي تضرب البلاد. بذلك يكون ملف الضمانات الحاسمة لجعل الرئيس المكلف يقدم على مغامرة محفوفة ‏بالمحاذير الهائلة قد سبق مناورات وحسابات القوى السياسية على اختلافها علما ان أي معطيات جدية لا تحسم ‏حتى الان لا اسم الحريري ولا اسم نواف سلام ولو كانا المتقدمين في الأسماء بل ان أي أسماء ثالثة سواهما لم ‏تطرح بعد . كما ان ما يثار عن الأجواء الفرنسية والأميركية والسعودية وسواها تبدو حتى الان في اطار ‏التوظيف الداخلي ولو ان الموقف الفرنسي معروف ويدفع نحو توافق سياسي عريض على حكومة فعالة فيما ‏سيستمع المسؤولون الرسميون وبعض القادة السياسيين الجمعة المقبل الى الرؤية الأميركية حيال الواقع اللبناني ‏من مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل الخبير في الملف اللبناني خلال زيارته السريعة لبيروت. وتوقعت ‏الأوساط المعنية بالحركة الجارية الا تتبلور الاتجاهات والأمور قبل الاطلاع على المواقف التي سينقلها هيل في ‏زيارته لبيروت‎ .‎
‎ ‎
بعبدا
‎ ‎
وكانت مصادر بعبدا وزعت امس معطيات عن موقف الرئيس عون فأفادت ان الحديث في موضوع الحكومة بدأ ‏ضمن اطار المشاورات الجانبية بين كل القوى وان عون يفضّل تشكيل حكومة بأسرع وقت . وأكدت ضرورة ‏قيام المشاورات قبل الاستشارات النيابية الملزمة لكي يكون رؤساء الكتل النيابية خياراتهم معتبرة انه من المبكر ‏الحديث عن اسم رئيس الحكومة المقبل . وعما اذا كان عون موافقا على تكليف نواف سلام قالت المصادر ان الجو ‏العام يتجه نحو حكومة وحدة وطنية ولكن لا يمكن حسم التوجه نحو نوعية الحكومة ومهمتها قبل جس نبض الكتل ‏النيابية . ونفت ان يكون اسم نواف سلام او أي أسماء قد طرحت خلال زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ‏لقصر بعبدا . وعما اذا عون يمانع في عودة الحريري الى رئاسة الحكومة قالت ان رئيس الجمهورية يحترم ‏الدستور وينتظر نتائج الاستشارات النيابية‎ .‎
‎ ‎
وفيما لا يزال التريث يطبع مواقف القوى السياسية من استحقاق التكليف اعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ‏وليد جنبلاط عقب زيارته ورئيس كتلة اللقاء الديموقراطي تيمور جنبلاط والنائب وائل أبو فاعور لرئيس مجلس ‏النواب نبيه بري في عين التينة مساء امس ان لا مرشح لديه. وقال ان الأمور تقتضي تشكيل حكومة سموها كما ‏شئتم تعالج أولا الوضع الاقتصادي وإعمار بيروت وقبل كل شيء حيث عجزت كل الحكومات السابقة الإصلاح ‏‏”. واعتبر ان حسان دياب “هو من احرق بيروت وهو من اسقط نفسه بنفسه “. وإذ شدد على انه لا يضع شروطا ‏على الحكومة المقبلة قال “ليس لدي مرشح لرئاسة الحكومة وتحدثنا طويلا مع الرئيس بري وسأنسق معه كالعادة ‏في كل خطوة لكن الوقت الحاضر ليس وقت التسمية‎.

By

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

No widgets found. Go to Widget page and add the widget in Offcanvas Sidebar Widget Area.