صحيفة الشرق الأوسط 28 أيار 2019

الشرق الأوسط : الحكومة اللبنانية تقرّ مشروع موازنة 2019 بعجز 7.59‏‎ %‎ وزير المال عدّه رسالة جدية للمجتمع الدولي… والأمم المتحدة رحبت ‎ ‎

 أقرّت الحكومة اللبنانية بعد 19 جلسة من المباحثات، مشروع موازنة عام 2019 بصيغته النهائية على أن يحال إلى ‏المجلس النيابي، وذلك على وقع استمرار التحركات الشعبية الرافضة المساس برواتب القطاع العام والعسكريين ‏المتقاعدين وفرض الضرائب‎.‎ 

وعقدت جلسة في القصر الجمهوري أمس برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي عرض لعدد من الملاحظات ‏حول المشروع، طالباً من الوزراء المباشرة في إعداد مشروع موازنة عام 2020 كي يحال إلى مجلس النواب ضمن ‏المهلة الدستورية‎.‎ 

وتحدث رئيس الحكومة سعد الحريري عن جلسات مجلس الوزراء الـ19 التي عقدت خلال الأيام الماضية، وأعطى ‏الكلام لوزير المال علي حسن خليل الذي قدّم عرضاً بما آل إليه مشروع الموازنة بعد دراسته وإدخال التعديلات عليه ‏بناء على النقاش الذي دار في الجلسات. وقد أبدى عدد من الوزراء ملاحظاته على مشروع الموازنة الذي أقر بعد نقاش ‏مستفيض، بحسب ما جاء في بيان الرئاسة‎.‎ 

ومع إقراره بأن عدد الجلسات الذي تطلبه بحث الموازنة غير مسبوق، قال وزير المالية علي حسن خليل: “إننا أمام ‏تحوّل استثنائي ومهم جداً؛ وهي رسالة إلى المجتمع الدولي بأننا جديون، وستنعكس إيجاباً على الوضع اللبناني”. ‏وسجّل تحفظ لـ”القوات اللبنانية” و”الحزب الاشتراكي” على بعض البنود، فيما أعلن خليل أن الموازنة أقرّت تماماً، ‏كما أحيلت بعد الجلسة الأخيرة في السراي الحكومي، ولم يطرأ أي تعديل عليها لا بالأرقام ولا بالمواد، وأكد أن الرقم ‏الذي تم التوصل إليه في خفض العجز مشجع جداً من دون اعتراض أحد‎.‎ 

ورأى أن “دراسة الموازنة جاءت في ظل وضع اقتصادي ضاغط جداً، وبعد الظروف الاستثنائية التي مرّ بها لبنان ‏العام الماضي جراء تأخير تشكيل الحكومة، فضلاً عن الضغوطات المختلفة وأزمات المنطقة، كل هذه الأحداث أدّت ‏إلى رفع عجز الموازنة إلى نحو الـ11.4 في المائة”، مشيراً إلى أن “الموازنة جاءت في سياق مالي متضخم، ودين ‏عام يزداد، وخدمة دين مرتفعة. من هنا كنا أمام تحدي خفض نسبة العجز إلى أقصى حدّ ممكن، وفي الوقت نفسه ‏إقرار خطوات إصلاحية بنيوية في المجالات التي تشكّل العناصر الأساسية للموازنة‎”.‎ 

وأوضح أن 35 في المائة من الموازنة عبارة عن رواتب ومخصّصات ومعاشات تقاعد، و35 في المائة خدمة دين ‏عام، و11 في المائة عجز كهرباء، ونحو 9 في المائة إنفاق استثماري، والباقي نفقات تشغيلية للدولة… “من هنا؛ كان ‏التركيز على استهداف ومعالجة كل النقاط الأساسية في الموازنة، فتم البحث في موضوع خدمة الدين العام، وإعادة ‏النظر في مجموعة من الأمور التي ترتبط بحوافز ومخصّصات إضافية وتعويضات غير مبرّرة. وتم إقرار خطة ‏الكهرباء والبدء بخفض العجز في هذا القطاع‎”.‎
وأضاف: “في المجمل، نحن أمام تحوّل استثنائي ومهم جداً؛ إذ أقرّ في موازنة هذا العام خفض النفقات وزيادة ‏الواردات بما يؤسّس لمعالجة بعض من الخلل الحاصل في الوضعين الاقتصادي والمالي”، مشيراً إلى أن “هذه ‏الموازنة تؤسّس لموازنتي العامين المقبلين 2020 و2021، لذلك يجب أن ننظر إليها من هذا المنطلق”، لافتاً إلى أن ‏‏”هناك أموراً كثيرة ستُستكمل في الموازنات المقبلة، كما أن هناك قرارات في مجلس الوزراء اتفقنا عليها يجب أن ‏تترجم على شكل نتائج إيجابية على المستويين المالي والاقتصادي‎”.‎ 

وأشار إلى أنه “في هذه الموازنة، وصل الإنفاق إلى حدود الـ23340 مليار ليرة لبنانية، تضاف إليها 2500 مليار، ‏وهي سلفة لدعم كهرباء لبنان. في المقابل، لدينا واردات 190016 مليار ليرة، بزيادة عن المعدل المقرر سابقاً، مما ‏يعني أن نسبة العجز بالمقارنة مع الناتج المحلي تصل إلى 7.59 في المائة، وهو رقم مُرضٍ جداً ويعبّر عن التزام ‏حقيقي سُجّل خلال النقاشات التي جرت في الأسابيع الماضية، ويعكس إرادة حقيقية لدى الحكومة في أن تسير في ‏المسار التصحيحي للوضع المالي”، مع تأكيده على أن “المهم قدرة الدولة والحكومة على الالتزام بهذا الرقم‎”.‎ 

وشدد على أنه “كوزارة مالية سنعمل بأعلى درجات الجدية للبقاء في حدود نسبة العجز المقدرة تماماً كما وردت اليوم ‏في هذا المشروع، خصوصا أننا بنينا هذا الأمر على نسبة نمو محدودة (1.2 في المائة) ليصل الناتج المحلي إلى نحو ‏‏90 ألف مليار، وبمزيد من الجدية، وبأي عنصر إيجابي ممكن أن يطرأ على الوضع العام، يمكن أن نحافظ عليه وقد ‏يتحسّن. وفي الوقت نفسه، نحن نبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي وكل الصناديق الملتزمة بالوقوف إلى جانب ‏لبنان، مفادها بأننا جديّون في هذا المجال، وسيترجم هذا الأمر ضخاً وإطلاقاً لمشاريع استثمارية جديدة يكون لها أثر ‏كبير في دفع عجلة الاقتصاد‎”.‎
‎ ‎
ضبط التهرب الجمركي
‎ ‎
في المقابل، لفت خليل إلى العمل على قوانين من شأنها المساهمة في ضبط التهرب الجمركي، وقال: “نحن في طور ‏إقرار مجموعة من القوانين المكمّلة للوصول إلى أفضل وأعلى المعايير في التزام إقرار قانونين على الأقل؛ قانون ‏الشراء العام والمناقصات، وقد أنجزت هذا القانون مع دفاتر الشروط النموذجية وأرسلتها إلى مجلس الوزراء، وفي ‏أقرب جلسة، بعد التنسيق مع وزارة التنمية الإدارية، سيقرّ مشروع قانون الشراء العام أو الصفقات العمومية وسيحال ‏إلى المجلس النيابي. إضافة إلى تحديث قانون الجمارك وفق المعايير التي تسمح بتعزيز الانضباط الجمركي. في هذا ‏المجال أيضاً، هناك قرارات لمجلس الوزراء وتوصيات صدرت خلال هذه الجلسات بأن نضع موضع التنفيذ مجموعة ‏من الإجراءات المتعلقة بهذا المجال، أي ضبط التهرّب الجمركي إلى أقصى حدّ‎”.‎ 

وزاد: “نحن معنيون بأن نعمل بشكل جدي على إجراءات تساعد على تحسين ميزان المدفوعات، انطلاقاً من تحسين ‏الميزان التجاري والعجز فيه. حصلت خطوات – قد تكون هناك بعض الملاحظات وتحفظات عليها – لكنني مجبر ‏على أن أقول إن الحكومة اتخذت هذه الإجراءات على أمل أن تؤدي الغرض منها، ويجب أن تستكمل بالتركيز على ‏دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة وتخفيف التركيز على الاستيراد من الخارج وتقليص حجم الاستنزاف من ‏العملات الأجنبية من لبنان إلى الخارج. كما هو معروف؛ العجز في الميزان التجاري كبير جداً، وقد استوردنا في ‏‏2018 بما يقارب 20 مليار دولار، وصدّرنا بـ3.8 مليار دولار، وهذا العجز يضغط على الاحتياط بالعملات ‏الأجنبية‎”.‎
وفيما يتعلق بموضوع الرواتب، أكد خليل عدم المساس بها، قائلا: “أثبتت الأيام أن كل الإشاعات التي أُطلقت حول ‏تخفيض الرواتب والمسّ بمستحقات أو بحقوق العسكريين والإدارة والأساتذة والجامعة… وغيرها، غير واقعية. كان ‏هناك ضخّ لكثير من الإشاعات. الأيام أثبتت صحة كلامنا منذ البداية؛ أنه لن يكون هناك مسّ ولا اقتطاع من الرواتب ‏أو المخصصات لهؤلاء الأشخاص‎”.‎ 

وحول اللغط الحاصل بشأن “التدبير رقم 3” الخاص بالعسكريين، أكد خليل “الموازنة لم تقارب اليوم هذا الموضوع ‏لا في جوانبه المالية ولا في الصياغات القانونية، تُرك للمناقشة في مجلس الدفاع الأعلى ليحال إلى الحكومة لاتخاذ ‏الموقف المناسب منه أو صدور المرسوم الذي ينظم كيفية توزيع القوى العسكرية والأمنية على التدابير (1) و(2) ‏و(3)”. ومع تأكيده على أن “الرقم الذي وصلنا إليه في خفض العجز مشجع جداً من دون اعتراض أحد”، لفت إلى أن ‏‏”تخفيض العجز هو حاجة وطنية قبل أن يرتبط بمؤتمر (سيدر)، لكن هناك نظرة إيجابية من الخارج إلى ما تم ‏تحقيقه، في الخطوات الإصلاحية وبمستوى تخفيض العجز‎”.‎ 

وأفيد بأن وزراء “القوات” تحفظوا على بعض الأرقام المرتبطة بعائدات الاتصالات والمرفأ والأملاك البحرية ‏والتهرب الضريبي، وطلبوا توضيح الحاجة لإجراءات متعددة للوصول إلى أرقام الموازنة والشروع بإصلاحات ‏بنيوية قبل موازنة 2020. كما أفيد بأن وزراء “الاشتراكي” أصروا على رفع التخمينات على الأملاك البحرية ‏وطالبوا بإعادة النظر في خفض رواتب الوزراء والنواب والرؤساء‎.‎ 

وقال نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني: “بعد 19 جلسة خفّضنا 1.3 في المائة من الموازنة التي اقترحها وزير ‏المال، ولم يبلغ العجز فعليا 7.5 في المائة من الناتج، وهناك أرقام يمكن أن تكون أفضل، فتحفظنا على بعض النقاط، ‏ونحن مع أن تمضي الموازنة لتُناقش في مجلس النواب، وتحفّظنا على بعض النقاط لعدم الخوض في التفاصيل ‏وتأخير إقرارها‎”.‎ 

أما وزير الدفاع إلياس بوصعب فقال: “اقترحنا التخفيض بالخطة الخمسية، وهذه أمور تم تأجيلها لموازنة 2020، ‏وحاولنا سحب ضريبة الدخل، وغير ممكن وضع ضريبة دخل على المتقاعد أكبر ممن هو في الخدمة الفعلية، وسينقل ‏الخلاف إلى المجلس النيابي‎”.‎
‎ ‎
ترحيب أممي
‎ ‎

ورحب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش، بموافقة الحكومة على مشروع موازنة عام 2019، آملاً ‏‏”إقرارها في مجلس النواب بأسرع وقت ممكن بعد مراجعة شاملة ومعمقة”. وقال في بيان إن “إقرار موازنة العام ‏‏2019 يتيح الفرصة لاتخاذ تدابير أولية لخفض العجز. كما أنها فرصة للبدء بإدخال الإصلاحات اللازمة بطريقة ‏مستدامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً كجزء من الجهد الأوسع نحو تنشيط الحكم الرشيد والمحاسبة والاستثمار وتوفير ‏فرص عمل‎”.‎

By

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

No widgets found. Go to Widget page and add the widget in Offcanvas Sidebar Widget Area.