هل تصبح فيسبوك جمهورية مستقلة؟

أعلنت فيسبوك مؤخرا مضيها في إنشاء محكمة عليا مكونة من هيئة قضائية حول العالم، ولديها الصلاحيات لإلغاء أو الموافقة على المحتوى والحسابات على منصتها الاجتماعية.

كما يمكن لهذه المحكمة مساعدة فيسبوك في صياغة السياسات الخاصة بنشر أو حذف المحتوى، والتي ستكون مرجعا للشركة والمستخدمين وحتى الأطراف الأخرى من حكومات ومعلنين ومطورين.

ومع أن الرئيس التنفيذي للشركة مارك زوكربيرغ أطلق عليها اسم محكمة عندما طرح الفكرة للمرة الأولى، فإن فيسبوك تتجنب هذا الوصف حتى لا تتم مقارنتها مع الحكومات، الأمر الذي سيفتح الباب لمزيد من التساؤلات حول نفوذ هذه الشركة وقدرتها على التأثير في المجتمع.

ويرى بعض الخبراء في هذه الخطوة الذكية من زوكربيرغ بتمكين مجموعة مستقلة للحكم على اعتدال المحتوى وسيلة للتملص من المسؤولية في حالة ظهور فضيحة مشابهة لفضيحة كامبريدج أنالتيكا، حيث يمكنه بكل بساطة إلقاء المسؤولية على هيئة المحكمة.

ولكن الفكرة لها جانب آخر مثير للاهتمام؛ فالشركة التي طالما أعلنت أنها مجرد منصة، وليست لديها سلطات للتحكم في المحتوى المنشور، بدأت تستشعر دورها الكبير في المجتمع، وقدرتها على أخذ دور الحكومة على منصتها.

فقد بدأت الشركة القيام بعمليات تنظيمية في هيكلها وعملياتها تمكنها من السيطرة أكثر على ما ينشر وما يحذف على منصتها.

فقامت فيسبوك بتطوير معايير السلوك العامة السابقة إلى شروط خدمة محددة ومعقدة، يتم التعامل مع منتهكيها بسرعة وحزم عن طريق حذف المواد دون إشعار أو إغلاق الحسابات.

وتجند لهذه الغاية مشرفين بشريين، وأحيانا خوارزميات معقدة، للقيام بعمل شرطة النشر على الموقع أو الهيئة التنفيذية.

وتحتاج فيسبوك لسلطة تشريعية لتنظيم العمل من الأطراف الفاعلة على منصتها من مستخدمين وحكومات وشركات، كما تحتاج لسلطة قضائية للفصل بين النزاعات بين هؤلاء، وهو ما أدى إلى ظهور فكرة المحكمة العليا.

جمهورية فيسبوك الديمقراطية
شاع في الفكر السياسي أنه في الحكومة الديمقراطية الحقيقية تكون السلطات الثلاث منفصلة، ومنها القضاء، رغم أن البعض يذهب إلى أن هذا التشبيه مبالغة، حيث يرون أن فيسبوك لا تملك هذه السلطة على حياة المستخدمين، إلا أن انقطاع خدمة فيسبوك -لسبب تقني- مؤخرا لعدة ساعات في أنحاء العالم، وما صاحبه من رعب في صفوف مستخدميه، يشير أكثر إلى كونه مجرد منصة.

ويرى محللون أنه هذا التوجه يجب أن يجعلنا حذرين أكثر؛ فوجود مثل هذه السلطات في أيدي هذه الشركة سوف يجعل الأمور تزداد صعوبة، ولن تتمكن هذه المحكمة من حل هذه المشاكل.

فتأثير فيسبوك لا يشمل فئة واحدة، بل يؤثر على مجموعة كبيرة من المجتمعات المختلفة في العادات والتقاليد والأنظمة.

يقول ميثاق فيسبوك إنه يأمل ترسيخ قيم “الصوت الحر، والأمان، والإنصاف، والكرامة، والمساواة، والخصوصية”. ولكن ما يعنيه زوكربيرغ بهذه القيم قد يختلف عما يعنيه ناشط في الهند والشرق الأوسط، أو صاحب متجر في بريطانيا.

في الدول الديمقراطية يمكن للأفراد التصويت على المسائل الخلافية التي لا يستطيع المشرعون تمريرها، فهل سيمكن فيسبوك المستخدمين من التصويت على تشريعات محكمته؟ وفي هذه الحالة كيف يمكن أن يكون التصويت عادلا للدول والفئات الأقل عددا؟ هل يمكن أن يخرجوا من حكم هذا النظام؟

ربما يكون هذا ممكنا لمن أراد أن يخرج عن حكومة فيسبوك، ولكن في هذه الحالة يجب الخروج من واتساب وإنستغرام اللتين تمتلكهما الشركة؟  

By

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

No widgets found. Go to Widget page and add the widget in Offcanvas Sidebar Widget Area.