‫الرئيسية‬ محليات احتجاجات لبنان وأزمة “الرؤية”
محليات - ‫‫‫‏‫3 أسابيع مضت‬

احتجاجات لبنان وأزمة “الرؤية”

يشهد لبنان احتجاجات غير مسبوقة وضعت البلاد على مفترقٍ مصيري. لا تبدو أفق الأزمة واضحة المعالِم. وفي حين يُصرّ البعض على عفويّة الحراك منذ ولادته وحتى الساعة، يُسلِّم آخرون بنظرية المؤامرة، كما أنّ هناك رأياً ثالثاً يؤكِّد أن الحراك الذي انطلق بشكلٍ عفوي بات اليوم “أمراً بين أمرين”. فما هي حقيقة الأزمة في لبنان؟ وهل هي أزمة سياسات أم أزمة رؤية؟

نودّ الانطلاق في بحثنا هذا من نقطتين رئيستين، تتمّ الاستفادة منهما في عالم التفكير النظمي. الأولى هي أن مشاكل اليوم هي نتيجة لحلول الأمس، وبالتالي فإن قرارات اليوم تؤسِّس لمشاكل الغد. والثانية هي كلمة لعالِم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين: لا نستطيع حل المشاكل المُستعصية بنفس العقلية التي أوجدتها. وبالتالي، لا بدّ من التعرّف على هذه العقلية التي أوصلت إلى اتخاذ حلول وضعت لبنان أمام هذا الواقع.

رغم أن ظاهِر المشكلة في لبنان اليوم هو اقتصاديّ بامتياز، إلاّ أنه في الحقيقة لا يعدو كونه وجهاً آخر للعديد من المشاكل السياسية السابقة التي عصفت بلبنان خلال العقود الثلاثة الماضية، فأين تكمُن المشكلة الرئيسة؟

هناك مقولة شهيرة في لبنان، نطقَ بها مؤسِّس “حزب الكتائب” بيار الجميّل بأنّ “قوّة لبنان في ضعفه”، شأنه شأن الكثيرين من قادة لبنان والعالم العربي، بل إنّ الكثير من السياسيين في لبنان يطبّقون المقولة نفسها اليوم حتى لو لم ينطقوا بها.

لا يخلو الضعف، كما القوّة، من أمرين: إما أن يكون الفرد قويّاً بذاته، أو قوياً بغيره، كاستقواء الكيان الإسرائيلي بأميركا. كذلك الأمر إما أن يكون الفرد ضعيفاً بذاته أو ضعيفاً بغيره، كضعف الأمّ عند أيّ تهديد يتعرّض له الأبناء. يبقى الضعيف أمام خيارين كي يصبح قويّاً فإما أن يذهب إلى الخيار الصعب ويبذل التضحيات كي يكون قويّاً بذاته، أو يسلك الخيار السهل عبر استقوائه بالغير، ويبقى ضعيفاً بذاته. وبالتالي، إن قوّة لبنان في ضعفه هي مقولة خادِعة، وتعبير مُنمَّق استخدمه الجميّل بدلاً من القول إن “قوّة لبنان في الدعم الخارجي”، لأنه كان حليف الطرف الخارجي الأقوى حينها.

إن الحديث عن الدعم الخارجي عند أيّ مفترق طريق هو ترسيخ لمقولة الجميّل، وهذا الأمر استمرّ إلى ما بعد الطائف، بل إلى يومنا هذا. فلنشرح هذا الأمر من خلال نموذج عملي عاشه اللبنانيون، وبعدها ننتقل إلى تطبيقات مقولة الجميّل على الصعيد الاقتصادي الحالي.

نموذج واقعي

لم يؤدِ الجيش اللبناني دوره الحقيقي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، والسبب في ذلك لا يعود إلى افتقار الجيش اللبناني للسلاح، بل لما يُصطلح عليه في التفكير النظمي بـ”النموذج الذهني” Mental model))، بعبارةٍ أوضح العقلية، أيّ القرار السياسي الذي كان حاكِماً حينها. هذا الموقف أثار حفيظة الكثير من اللبنانيين الذي سلكوا طريق المقاومة، وقرَّروا مواجهة التهديد وكَسْر نمطية “قوّة لبنان في ضعفه”، التي تجلّت أيضاً بين الناس بعبارةٍ مُنمَّقة وهي أنّ “العين لا تقاوِم المخرز”، وقد تكلّلت هذه التجربة عام 2000 بالانسحاب الإسرائيلي من أغلب الأراضي اللبنانيّة.

النموذج الجديد الذي يحمل عنوان المقاومة، وفي مقدّمها حزب الله، يستند إلى نموذجٍ ذهني يقف على النقيض من مقولة الجميّل، أي “قوّة لبنان في قوّته”. وقد ترسَّخ هذا النموذج في حرب تموزعام 2006، ولاحقاً في مواجهة التكفيرين رغم وجود الكثيرين في كل من الحربين يهاجمون هذه العقلية.  إذاً هناك رؤيتان واضحتان الأولى تطلب من الجندي اللبناني أن يقدِّم الشاي للعدو الإسرائيلي في مرجعيون، وكذلك التقوقع داخل الأراضي اللبنانية بانتظار وصول نيران التكفيريين، والأخرى تطلب مقاومة الاحتلال ودرء أيّ تهديد قبل فوات الأوان. فكيف يتجلّى هذا النموذج في حراك لبنان؟

الأزمة الاقتصاديّة

لم تتوقّف مقولة الجميّل عند حدود السياسة، بل سرت على كافّة مفاصِل الدولة، منذ ما قبل اتفاق الطائف وإلى يومنا هذا. فالرؤية الاقتصادية التي تكرَّست استندت إلى عقلية الاعتماد على الخارج، عبر المؤتمرات الاقتصادية والقروض والهِبات. إذاً ما هي حلول الأمس التي أفضت إلى مشاكل اليوم، وفقاً للسؤال الذي طرحناه ابتداءً؟

رغم أنني لست برجل الاقتصاد الذي يُتقِن لغة الأرقام في الحديث عن تفاصيل الاقتصاد اللبناني وأزماته المُتعدِّدة، لكنني أعتقد أن المشاكل الاقتصاديّة التي نعيشها اليوم يمكن وضعها في إطارين رئيسيين الأول: عمدي، والثاني غير عمدي. العمدي، أي الفساد والسرقة والمحسوبيات، وأما غير العمدي فهو السياسات الاقتصادية التي اعتُمِدَت من المسؤولين، وفي مُقدّمهم حاكِم مصرف لبنان رياض سلامة.

 دعونا نشرح هذا الأمر من خلال وسائل التفكير النظمي. هناك ما يُسمَّى بنماذج النظم system archetypes” ” في التفكير النظمي وهي نماذج يتمّ استخدامها لتحليل المسائل المُعقَّدة، من ضمنها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. سنكتفي هنا بشرح نموذجين من أصل 12. نموذج نقل الضغط الذي يرتبط بالشقّ غير العمدي، ونموذج تراجيديا المشاع الذي يرتبط بالشقّ العمدي.

يشرح العالِم الأميركي الشهير في مجال التفكير النظمي، بيتر سينجPeter Senge) )، نموذج انتقال الضغط إلى طرف داخلي أي داخل النظام عبر مثال التضخّم في دول العالم الثالث. يقول سينج إن الحكومات في دول العالم الثالث تلجأ إلى صكّ المزيد من العملات لسدّ العجز، الأمر الذي يؤدِّي إلى بروز التضخّم الاقتصادي، وبالتالي عودة المشكلة بعد مدّة. رغم وجود هذا النوع من نموذج انتقال الضغط في لبنان، إلّا أن الطاقم الاقتصادي اللبناني استخدم نموذج انتقال ضغط آخر هو انتقال الضغط إلى الخارج، أي الاستعانة بطرفٍ خارجي، وهذا النموذج في الحقيقة هو تكريس لسياسة “قوّة لبنان في ضعفه” عبر الاستقراض وغيره. في الحقيقة، لم تكن القروض للاستخدام في أمر ينتج علينا أكثر من الفوائد التي يجب دفعها، وبالتالي باتت فوائد هذه الديون تشكِّل عبئاً كبيراً على الاقتصاد اللبناني، أي أنها كانت عِلاجاً أسوأ من الوجع أو المرض ذاته. في الطاقة أيضاً، ذهبنا إلى الحل الأسهل، أي البواخر، اليوم مرّ أكثر من 10 سنوات على الأزمة ولا يزال لبنان يعاني من المشكلة نفسها. البنك المركزي اللبناني وسياسات رياض سلامة المالية نموذج آخر على هذا الأمر. إن سياسات رياض سلامّة شكّلت أرضية مناسبة للنموذج الآخر أي الفساد، وهذا ما تجلّى مؤخّراً في فضيحة قروض الإسكان.

النموذج الآخر المرتبط بالسياسات العمديّة (الفساد)، هو تراجيديا المشاع الذي يصف حال استنزاف مورد مشترك من قِبَل الأفراد الذين يتشاركون به وفقاً للمصلحة الذاتية لكل منهم على الرغم من إدراكهم أن استنزاف الموارد المشتركة يتعارض مع المصلحة المشتركة للمجموعة على المدى الطويل.

 فعندما يتجاوز معدّل الصيد في بحيرة ما، معدّل تكاثُر الأسماك، ستنقرض الأسماك بسبب أنانيّة الصيّادين، وسوف تنهار صناعة صيد الأسماك، وستقلّ كمية الأغذية المُتاحة لسكان المنطقة.

هذا ما حصل في جراند بانكس في الساحل الشرقي لولاية نيوفاوندلاند الكندية في ستينات وسبعينات القرن الماضي رغم أنها كانت تُعدّ من أغنى مناطق صيد الأسماك في العالم. وهذا ما حصل في لبنان أيضاً من خلال الساسة الفاسدين، وعند اقتراب الأسماك من مرحلة الانقراض في البحيرة اللبنانية، تعمد الحكومة إلى استقراض أطنان جديدة لرميها في هذه البحرية، ويتكرَّر الأمر. اذاً، حتى في السياسات العمدية، أي الفساد، تلعب السياسات غير العمدية التي تستند إلى رؤية “قوّة لبنان في ضعفه” دوراً رئيساً.

احتجاجات لبنان

في ما يخصّ الحراك، بدت العفوية واضحة في الحراك الشعبي ابتداءً، لكنّ  أطرافاً ما عمدت إلى تسييسه، ولكن بعيداً عن هذه الزواريب فإن الخلاف الحقيقي اليوم هو بين رؤيتين لإدارة البلاد اقتصادياً وسياسياً. ما يحصل الآن هو نموذج مُماثِل للمقاومة الشعبية العفويّة في ثمانينات القرن الماضي ضد الكيان الإسرائيلي، وإن تمّ تسييس بعضها. لكن هذه المقاومة الشعبية ما لبث أن تمّ تأطيرها ضمن إطارات حزبية أفضت بعد 18 عاماً إلى دَحْرِ العدو الإسرائيلي.

المسألة ليست بالسهلة، ورغم إيجابيات الورقة الإصلاحية إلا أنها غير كافية أبداً، فلا يمكن حلّ مشكلة ثلاثين عاماً في شهر أو في  شهرين، بل في عام أو في عامين، ولكن ما هو مؤكَّد، وفقاً لقول أينشتاين أعلاه، أنّه لا يمكن حل الأزمة الاقتصاديّة، من خلال العقلية ذاتها، أي قوّة لبنان في ضعفه.

الخلاصة

في الخِتام، تكمُن المشكلة الرئيسة اليوم في العقلية التي تسعى إلى ترسيخ عقلية “قوّة لبنان في ضعفه” مقابل الرؤية الأخرى التي كرَّستها المقاومة. بعبارةٍ أدقّ، إن انتفاضة اللبنانيين اليوم هي ضدّ هذه العقلية قبل أيّ شيء آخر، وهذا أحد أسباب ركوب الموجة من قِبَل الأميركي الذي لطالما حاول ركوب الموجة ضدّ المقاومة أيضاً، لأنها تعني الخروج من العباءة الأميركية.

المصدر : الميادين نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ما هي أسباب طرح اسم الصفدي لرئاسة الحكومة والتراجع عنه

عاش الشارع اللبناني ليلة من الغضب، مساء أمس الخميس، بعد تسريبات حول التوافق السياسي بين ال…